إدارة مخاطر الشركات العالمية

image128

مقدمة

  في تسعينات القرن الماضي ظهر مصطلح جديد في عالم ادارة المال والاعمال استخدم على نطاق واسع دولياً هو مصطلح أو مفهوم العولمة (Globalization)، حيث وقف كثير من المدراء في حيرة من امرهم بخصوص ماهية هذا المصطلح وآليات التعامل معه، حتى انه صدر عدد من الكتب التي تناولت الموضوع باعتبار أن العولمة فخ، على اعتقاد أن هذا المفهوم هو ترسيخ لسطوة وسيطرة القوى والشركات العظمى على العالم واقتصاده وهو شكل جديد من أشكال الاستعمار. سادت فكرة عامة لدى الجميع خصوصا في المنطقة العربية قائمة على انه مفهوم اختياري التطبيق وبالطبع وبعد تطبيق الموضوع تبين ان تطبيق هذا المفهوم هو ليس بالأمر الانتقائي بل اجبر حكما بالدخول في تطبيق هذا المفهوم، الأمر الذي جعل العالم صغير كانه قرية صغيرة لأسباب كثيرة اهمها الثورة الكبيرة في وسائل وطرق والمواصلات العالمية والتطبيق الفعلي لاتفاقيات التجارة الدولية،  بالتالي أصبح لزاماً على كافة الشركات وحتى الدول الخروج من القمقم الذي كانت تعمل فيه الى العالمية والسوق الذي تنتقل فيه الموارد سواء كان في الحصول على مكونات الانتاج او الكوادر البشرية او حتى فتح فروع وشركات عابرة للحدود او فتح اسواق جديدة في الدول المختلفة وذلك تلبية للطلب المتزايد على السلع والخدمات التي تقدمها الشركات على اساس أن حاجات ورغبات الشعوب في البلاد المختلفة أصبحت متشابهة لدرجة كبيرة.  وبالتأكيد فان مفهوم الشركات متعددة الجنسيات (Multinational Company) (والمقصود بها هي الشركة التي تقوم بفتح فروع لها على مستوى العالم مرتبط بالشركة الام) هو ليس بالحديث نسبياً حيث ان كثير من الشركات العالمية خصوصا شركات النفط والنقل كانت تتسم بتعدد الجنسيات الا أن تطبيق العولمة زادت من تلك الشركات بشكل كبير، وعليه اصبح من الضروري وجود تبني لمفهوم إدارة المخاطر في تلك الشركات لمواجهة الآثار السلبية المتوقعة للمخاطر التي قد تتعرض لها الشركة في البلدان المختلفة التي تعمل بها.  

إدارة المخاطر في الشركات متعددة الجنسيات

  بداية نود التأكيد على ان مفهوم الشركات متعددة المخاطر أصلاً هو شكل من اشكال إدارة المخاطر والتقليل من الاثار السلبية للمخاطر, وهو قائم على مفهوم التنويع في الاستثمار (Diversity) حيث أن هذا المفهوم يعالج مواضيع التركز والمخاطر المرتبطة بها وغيرها من أشكال، ولكن هذا التنويع لا يغني من قيام الشركة بوضع أسس سليمة لإدارة المخاطر على مستوى الشركة الام مع كل فروعها انطلاقاً من دراسة معمقة للمخاطر التي تواجهه كل شركة وعلى اساس شمولي للبلد الام والبلاد الاخرى التي تعمل فيها الشركة، فالأساس الأول في دراسة المخاطر هو تحليل كامل للبيئة (سواء الداخلية او المحيطة) التي تعمل فيها الشركة في كل بلد ويفضل أن تكون الدراسة منبثقة عن جهات داخل البلد سواء من طاقم ادارة المخاطر أو بالاستعانة بجهات متخصصة وذلك للمعرفة المتعمقة لهؤلاء الافراد في تلك البيئة. على ان تحليل المخاطر المجمع للشركة يجب ان يعد من قبل فريق عمل متخصص يقوم بتحليل معمق وفق منهجية محددة وموضوعة ومعتمدة، بحيث تحمل هذه المنهجية شمولية العمل والتفكير بين اقسام الشركة وتنوع البلاد المختلفة، كما ان على مجالس الادارات في تلك الشركات وضع ادارة المخاطر على راس اولويات وعلى اساس انها اسلوب وطريقة حياة، بحيث يتم الاعتماد على نتائج تحليل المخاطر وادارتها كمرتكز رئيس في الخطط والخطط الاستراتيجية التي يتم وضعها للشركة وفروعها، وبحيث يتم مراجعتها وتقييمها بشكل دوري ومستمر. وبالتعريج على انواع المخاطر التي تواجها الشركات متعددة الجنسيات والآليات المقترحة لمواجهتها، فإننا بدراسة المخاطر التي تواجه تلك الشركات تبين لنا انه في العادة يكون للمنطقة الجغرافية الواحدة أنواع متشابهة من المخاطر، كما ان تأثير أنواع محددة من المخاطر قد انخفض كنسبة وبشكل كبير مع خروج مفهوم التجارة الدولية القائمة على اساس حرية انتقال السلع والخدمات فمثلا في ايامنا الحالية لا نستطيع ان نقول ان مخاطر سعر صرف العملات (Exchange Currency Risk) تشكل هاجس كبير واكثر المخاطر ارتفعاً  للشركات متعددة الجنسيات مقارنة بما كان عليه قبل 20 سنة، عندما كان الشغل الشاغل للشركات العاملة على مستوى العالم تأثيرات فروق اسعار الصرف خصوصا في البلاد التي كانت تضع قيود على عملية انتقال الاموال والتحويلات المالية. الا اننا في هذه الورقة نود ان نضع دراسة المخاطر السياسية (Political Risk) كمنطلق لدراسة أنواع المخاطر وآليات معالجتها وذلك كون تلك المخاطر الأعلى تأثيراً على المنطقة التي تعمل فيها الشركات في خصوصا في منطقة الشرق الاوسط، حيث ان تلك المخاطر لها تأثير مباشر على كافة المخاطر الاخر التي تصبح تابعة ومتأثرة بالخطر الأساسي الناتج عن المخاطر السياسية، على انه في علم ادارة المخاطر لا تستطيع عمل جدار حقيقي للتأثير المتبادل بين انواع المخاطر المختلفة، كما أنه يجب التمييز بشكل كبير بين دراسة المخاطر قبل الدخول الى البلد او السوق المعني وعلى كيفية ادارة ومعالجة المخاطر لبلد تعمل فيه المؤسسة أو حتى ادارة المخاطر عند الخروج من بلد او سوق معين.     o

المخاطر السياسية في الشركات متعددة الجنسيات (Political Risk)

  في العادة يقصد بها المخاطر الناتجة عن احداث سياسية أو اقتصادية أو بيئية أو اجتماعية متعلقة بدولة معينة، وما يلحق من تلك الاحداث من حروب أو اضطرابات أو احداث شغب او غيرها من احداث تؤثر على استقرار البلد وبالتالي وجود حالة عدم اليقين التي هي المخاطر بعينها، ومن خوضنا للتعريف السابق يتضح وبشكل جلي مدى قوة تأثير الاحداث السياسية على كافة نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من النواحي المختلفة. وهنا السؤال الاهم عن كيفية التعامل مع المخاطر السياسية، وهل على الشركة عدم الدخول في البلاد التي يكون فيها المخاطر السياسية عالية وكيفية التعامل مع استثمارات الشركة عند وقوع الخطر السياسي، مع ان دراسة المخاطر السياسية والتنبؤ بوجود مخاطر سياسية هو من اصعب التنبؤات في ادارة المخاطر فهو يحتاج الى دراسة شاملة للنواحي السياسية والقانونية والاجتماعية وغيرها من مواضيع، مع الاشارة الى ضرورة خطط لإدارة استمرارية العمل وتفعيلها عندما تقتضي الحاجة لذلك. بداية فان قرار دخول البلدان التي يكون فيها نسب مخاطر سياسية عالية يعود لقرار ادارة الشركة المبني اصلاً على دراسات معمقة للمخاطر في تلك البلدان بحيث تأخذ تلك الدراسة طبيعة وأهمية السلعة والخدمات التي ستقدمها، وقبول المخاطر هو طريقة تفكير حيث ان هنالك ادارات تتقبل المخاطر اعتقادنا منها ان قاعدة (الدول التي تتسم بمخاطر عالية هي ستحقق لي عائد كبير) ستنطبق على ذلك خصوصا عندما تأخذ بعين الاعتبار وجود شركات اخرى (الإدارات المتحفظة) ستحجم عن الدخول إلى تلك البلاد وبالتالي فان الحصة السوقية للشركة التي تقبلت المخاطر ستكون الاعلى. الا اننا نعتقد ان هنالك أساليب مختلفة غير الدخول المباشر في الدولة او السوق ومنها مثلاً الدخول في تحالفات مع جهات داخل البلد (جهات محلية) خصوصا ان الشركات المحلية تكون أكثر دراية في البيئة الداخلية للسوق والبلد بشكل عام ويربطها في العادة مصالح سياسية واقتصادية مع النخبة الحاكمة، وبهذا الاسلوب فان المخاطر المالية للتسهيلات التجارية الممنوحة للجهات التي تم التحالف معها تكون أكثر المخاطر التي تحتاج الى معالجة. الا ان هذا الاسلوب لا يروق لكثير من الشركات وذلك لتخوفها من تحكم الحليف في السوق او عدم وجود كفاءة كافية لديه، وبالتالي فان تلك الشركة تضطر الى دخول البلد او السوق لوحدها ولكن يجب ان يتم الدخول بشكل مختلف قائم على ان تكون التكاليف الادارية العمومية في حدودها الدنيا (الاعتماد على كفاءات مؤهلة) وعدم التوسع في الكادر البشري او في التملك والاعتماد على الخدمات المؤقتة.   أما بخصوص الية التعامل مع الاستثمارات في البلدان التي حدثت فيها احداث شكلت مخاطر سياسية فانه يجب بداية الوقوف ملياً على حجم وشدة تلك المخاطر (مع ضرورة ان تكون دراسات ادارة المخاطر السابقة قد أشارت الى وجود مؤشرات الى احتمالية التعرض الى هذه المخاطر) وبالتالي فان اليات التعامل والمعالجة تكون في طور ومراحل مختلفة، وتكون الشركة قد قامت بوضع اليات محددة للتعامل بحيث بدأت  باستخدام اسلوب مثل اسلوب الانكماش (Shrinking) اي تبدء الشركة بالتقلص وبشكل تدريجي في كافة نواحي اعمالها من حيث تقليل الكادر البشري وتغيير السياسة الائتمانية التي تتبنها الشركة بحيث يصبح التعامل نقدي فقط، تسييل الاصول الثابتة والاستثمارات، الدخول في تحالفات مع جهات محلية التعامل بحذر مع العملة المحلية في البلد والاحتفاظ بمستوى من العملة المحلية لتشغيل العمليات الاساسية في الشركة فقط. وفي حالة استحالة استكمال الاعمال في البلد يتم وضع خطط للخروج من البلد وفق جدول زمني مقترح مع ضرورة عدم الاستعجال في تسييل الاصول والاستثمارات مع ضرورة وضع قرارات حاسمة في التعامل مع الكادر البشري مع امكانية ان تباشر اعمالها من اي فروع الشركة او ادارتها من على بعد، مع اننا لا ننصح بعمل تصفية قانونية للشركة في البلد التي تعاني من احداث سياسية خطرة.  

المخاطر المتبقية في الشركات متعددة الجنسيات (Other Risks)

  مع تطرقنا لتحليل مبسط للمخاطر السياسية التي تم اعتبارها انها أكثر المخاطر التي يجب على الشركات متعددة الجنسيات معالجتها إلا ان هنالك مخاطر أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار والدراسة في إدارة المخاطر، ومن تلك المخاطر التي يجب ان تأخذ بعين الاعتبار المخاطر القانونية (Legal Risks) وعرفت بانها المخاطر المصاحبة لعدم الالتزام بالقوانين والارشادات والتعليمات واللوائح والقرارات المنظمة لعمل المؤسسة والموضوعية من الجهات الرسمية او العامة. ففي هذا النوع من المخاطر يتم عمل دراسة تحليلية عن مدى تأثير القوانين التي تصدر من الحكومات المختلفة على الشركة، ويجب ان يشمل التحليل على نواحي قانونية ومالية وفنية وبالتالي يجب ان تتم دراسة هذا النوع من المخاطر بوجود خبراء ماليين وقانونيين وفنين إذا اقتضى الأمر، علما ان نتائج التحليل يجب ان تخلص الى نتيجة من نتيجتين إما الاستمرار في العمل وفق القوانين التي صدر في البلد او مغادرة البلد. اما باقي المخاطر التقليدية التي قد تتعرض لها الشركات متعددة الجنسيات مثل مخاطر اسعار الصرف والمخاطر الناتجة عن تقلبات اسعار الفوائد (وهما نوعان مرتبطان بشكل كبير مع بعضها البعض) فهنالك تطوير كبير في اليات التعامل مع تلك المخاطر مثل الدخول في ادوات مالية مبتكرة مثل عمليات التحوط (hedging) والعقود المستقبلية وغيرها من الادوات المالية التي تقلل من حجم المخاطر، وهذه الادوات المالية اصبحت متاحة في معظم المؤسسات المالية في المنطقة الامر الذي عزز توفر اساليب وادوات جديدة لمعالجة المخاطر. كما ان مخاطر عدم توفر المصادر (Resource risks) هي من المخاطر التي تواجه الشركات متعددة الجنسيات من حيث عدم توفر الكادر البشري المؤهل المناسب او عدم توفر المواد الاولية ومكونات الانتاج في المنطقة التي تعمل فيها الشركة، على ان هذه المخاطر تدل على اهمية وجود تخطيط حقيقي للقوى البشرية سواء في الشركات متعددة الجنسيات او غيرها، على أن أفضل المعالجات لموضوع توفر الكادر البشري المؤهل هو بناء كادر بشري محلي مؤهل لحمل زمام الأمور في كل فرع من فروع الشركة وذلك كون اغلب الدول يمكنها قبول انسيابية الخدمات والسلع مع تحفظ تلك الدول على عملية انتقال القوى العاملة وحفظ حقوق العمالة المحلية والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي قد تخلقها العمالة المستوردة، على ان تضع كل شركة عند بناء الكوادر البشرية خطة محددة ضمن منهاج واضح وأهداف مستقبلية. أما بخصوص الوصول الى المواد الأولية ومكونات الانتاج فمعالجة هذه المخاطر تتم بعمليات تحليلية لمعرفة الأسباب الخاصة بتلك المخاطر حيث ان لكل صناعة ولكل دولة خصوصيتهما، فمثلا توفر مواد الانتاج لشركة تصنيع حواسيب مختلفة عن شركة لإنتاج العصائر فالصناعة الاولى يكون مصادر الانتاج لها صعبة الوصول وتكون في الثانية أكثر سهولة وهكذا، وبخصوص الدول فيلعب الموقع الجغرافي للبلد والقيود التي تضعها البلد, اهم عاملين لتوفير مصادر الانتاج في الشركات المتعددة الجنسيات. وعليه ومما سبق تبين لنا ان دراسة المخاطر في الشركات خصوصا متعددة الجنسيات منها يعطي الشركة رؤية واضحة لمسار خطها وعملها، ونستطيع تشبيه إدارة المخاطر في الشركة بالمنظار في بعض الاحيان والمكبر في احيان اخرى، بحيث تبين للشركة الاخطار البعيدة المتوقعة في المستقبل القريب ومعرفة المخاطر الداخلية في الشركة، وهو ما ينقص كثير من الشركات في أوقاتنا الحالية.  

إعداد:/ أنس القزقي