استخدام سقوف الائتمان للسيطرة على المخاطر الائتمانية

image54

إعداد: أنس القزقي.

مقدمة:


مما لا شك فيه ان ادارة المخاطر في الشركات اصبحت من اهم الادوات والطرق التي تدار فيها الشركات خصوصاً التجارية منها، فإدارة المخاطر توضح الطريق التي تسلكها المؤسسة، ومن أهم المخاطر التي تواجه تلك الشركات هي المخاطر الائتمانية والتي تعني عدم قدرة الزبائن أو المدينين على تسديد الذمة المالية المستحقة للشركة، ووقوع هذه المخاطر قد يضاعف حجم وأنواع المخاطر في الشركة المانحة للائتمان، بحيث تبدأ بمخاطر ائتمانية وتتوسع وتنتشر الى مخاطر اخرى، فالمخاطر الائتمانية مرتبطة بشكل كبير مع مخاطر السيولة وتتحول المخاطر الائتمانية لدى الشركة الى مخاطر سيولة وتصبح الشركة معرضة لمخاطر اخرى منها مخاطر قانونية بسبب القضايا التي سترفع من الدائنين وغيرها من المخاطر. في هذا المقال سيتم التطرق لآليات محددة للسيطرة على تلك المخاطر وسيتم التركيز على اسلوب محدد في التعامل مع المخاطر الائتمانية وهو اسلوب سقوف الائتمان او ما يعرف ب (Credit Limit).  

الشركات التجارية ومنح الائتمان

  اول ما يتبادر الى ذهن القارئ عند سماعه كلمة ائتمان هي المؤسسات المالية والمصرفية فمفهوم الائتمان مرتبط بتلك المؤسسات، وكيف نشير الى ان الشركات التجارية تقوم بمنح الائتمان، وهل المقصود بالائتمان هو عملية التمويل او شكل من اشكال الاقراض.

بداية نود ان نضع تعريفاً للشركات التجارية المشار اليها في هذا المقال، حيث نقصد بالشركة التجارية اي مؤسسة او شركة تقوم بإنتاج او اعادة بيع او توزيع او تسويق سلعة او خدمة ما (ولا يشمل المؤسسات او الشركات المالية والمصرفية)، والذي ينتج عن تلك العمليات التجارية ذمم تجارية للشركة التجارية.

السؤال ما المقصود بالائتمان الممنوح من تلك الشركات التجارية وهل يحق لها قانونا منح الائتمان؟

ليس المقصود هنا بالائتمان هو اي شكل من اشكال الاقتراض او اعادة الاقتراض وانما المقصود هو الائتمان الذي تمنحه الشركة التجارية لزبائنها كذمة تجارية، دون أن يكون هنالك تسديد فوري لتلك الذمة وفي كثير من الاحيان لا يوجد ضمانات عليها، وبالتالي فان الفترة التي يتم منحها كمهلة للسداد هي فترة الائتمان المقصودة في هذا المقال.  

التسديد النقدي ومنح الائتمان

  لا بد ان نشير ان التسديد النقدي للذمة (سواء بشكل نقدي او باي طريقة اخرى يضمنها البنك) هي اكثر الطرق سهولة للتعامل مع ادارة المخاطر الائتمانية ومعالجة وتقليل حجمها، فهي مرتبطة بعملية فورية للتبادل التجاري، الا أن استخدام طريقة التسديد النقدي فقط لها مآخذ كثيرة من ناحية تجارية وتسويقية وبيعيه ومنها عدم القدرة على التوسع في المبيعات والانتشار خصوصا في الظروف الاقتصادية في حالات الكساد او في الظروف التي يغيب فيها دور حقيقي وفعال للمصارف (بسبب احجامها عن التوسع في منح الائتمان او غياب الثقافة المصرفية). وعليه فان منح الائتمان في الشركات التجارية هو امر لابد منه لأغراض التوسع في السوق والعمليات، ومن خلال الاطلاع على تجارب الشركات التجارية التي تقوم بتبني سياسة الدفع النقدي فقط نجد انها في غالبيتها شركات لا تستطيع التوسع او المنافسة التجارية الحقيقية في السوق، حيث ان هنالك ارتباط في اذهان الزبائن بان منح الائتمان في الشركات التجارية هي ميزة نسبية وتفضيلية عن تلك الشركات التي لا تمنح ائتمان.

لمن تمنح الشركات التجارية الائتمان

  عندما تقرر الشركة التجارية تبني سياسة منح الائتمان يجب عليها ان تعرف بان هذا المنح يجب ان يكون مقيد بضوابط واجراءات محددة، فلا يمكن منح الائتمان على الغارب ولأي جهة او زبون أو ان يتم ترك منح قرار الائتمان لجهات البيع والتسويق فقط في الشركة بل يجب ان يكون هنالك توازن بين جهات البيع والجهات المالية في الشركة. الا ان اهم معيار لمنح الائتمان للزبون هو المعرفة الجيدة والعميقة في الزبون من حيث الالتزام بالتسديد والتدفقات النقدية والفرص البيعية لديه وغيرها من عوامل، وفي العادة فان معظم الشركات تعتمد في منح الائتمان على البيانات التاريخية للتعامل مع الزبون وهو الامر الذي يعطي ميزة نسبية للشركات والزبائن القدامى اللاعبين في السوق.

اما الزبائن الجدد فالشركات التجارية بحاجة الى معرفة جيدة فيهم، وعليه فان معظم الشركات التجارية في العادة لا تمنح هؤلاء الزبائن الجدد اي ائتمان وذلك لغياب البيانات التاريخية التي تمت الاشارة اليها، وباعتقادنا ان عدم منح الزبائن الجدد الائتمان يعد نوع من انواع ادارة المخاطر الائتمانية حيث ان احتمال تعثر الزبائن الجدد هو اعلى من غيرهم من الزبائن خصوصا في السنة الاولى من العمل لأسباب كثيرة متعلقة عادة بقلة الخبرة.

اما فيما يتعلق بالأسواق الجديدة فالأصل ان يتم عمل دراسة مستفيضة مسبقة حول السوق وآليات التعامل الائتماني فيه واي من الزبائن من الممكن منحهم الائتمان فيه، وفي العادة يجب ان يكون هنالك تحفظ شديد على منح الائتمان في الاسواق التجارية الجديدة.  

الاجراءات والانظمة المتعلقة بمنح الائتمان

 عند اتخاذ الشركة التجارية قرار بمنح الائتمان لزبائنها فان هنالك ترتيبات ادارية وتنظيمية يجب ان يتم القيام بها، ومن تلك الترتيبات: 

وضع نظام للتحصيل: وهنا يجب ان يصاغ نظام واضح ومحدد لفترات الائتمان الممنوحة، واليات التسديد والضمانات المطلوبة وتصنيف محدد للزبائن وطرق الدفع، ويجب ان يصاغ النظام بمشاركة كافة الاقسام المتداخلة بالموضوع ويقر النظام من الادارة العليا (مجلس الادارة او من يفوضه)، على ان يراعى في وضع النظام أهداف الشركة الاستراتيجية والسنوية. 

 وضع الية محددة للحصول على كافة البيانات المطلوبة عن الزبون سواء الزبائن الجدد او القدامى بحيث يتم استوثاق عملية فتح الحساب بشكل أصولي للزبون الجديد وأخذ كافة الوثائق والتراخيص والدراسات ان أمكن، فمؤشر التزام الزبون بكافة التراخيص والدراسات المطلوبة يعد من المؤشرات المهمة على نجاح المشروع من عدمه، اما بخصوص الزبائن القدامى فيجب عمل تحديث دوري في البيانات الخاصة بالزبون للوقوف على اية تعديلات تمت على الملكية او الملاءة المالية للزبون.

 ربط تحصيل الذمم الممنوحة مع جهة محددة وربطها بتقييم الاداء: بحيث يتم ربط الذمم الممنوحة مع جهات محددة في الشركة مثل ربطها مع مندوبي المبيعات او محاسبين او جهة محددة في الشركة بحيث يكون لديهم كافة الخبرات والادوات اللازمة للتعامل مع الذمم مع ضرورة ربط الاداء والتحصيل بتقييم الموظف وربطها بالعلاوات التي يحصل عليها، اما بخصوص التعامل مع الذمم المتعثرة فان التعامل مع الذمة بشكل قانوني أو قضائي يجب ان يكون كآخر الحلول كون هذه الاجراءات تكسر العلاقة تماما مع الزبون.

 ضرورة معرفة الشركة بأنواع الزبائن الذين تتعامل معه في السوق هل هو تاجر مفرق او تاجر جملة أو موزع، وهنا يجب على الشركة ان تتبنى سياسة تسويقية وبيعيه واضحه في التعامل مع انواع الزبائن، وماهي حجم الحلقات التي تريد الشركة ان تبنيها بينها وبين المستهلك النهائي وهو الغاية الاساسية التي تريد كل شركة الوصول اليها (تاجر جملة، موزع، تاجر مفرق) مع الاشارة الى ان الحلقة كلما صغرت فان الشركة تستطيع التحكم بالسوق بشكل اكبر شريطة ان يكون لدى الشركة الدراية الادارية والمالية الكافية في كيفية التعامل مع المستهلك النهائي أو الحلقة التي تسبقه.

 اعداد اجراءات مالية محكمة مبنية على قواعد مالية وقانونية واضحة وصارمة في التعامل مع الزبون من اجراءات فتح الحساب، طلب المواد والخدمة، عمليات التسليم، عمليات التحصيل، ادارة المرتجعات والصيانة، ضبط الدفعات المرفوضة والشيكات الراجعة، تحويل الملفات الى القانون او القضاء وغيرها من اجراءات بحيث يتم توثيقها والاحتفاظ بالتوثيق بأعلى درجات السلامة والمهنية.

  وضع الية محددة للذمم المتعثرة بما يشمل اليات التحويل للمحامي والقضاء، والاجراءات المحددة لكيفية التصاعدية في التعامل مع تلك الذمم.

المتابعة الحثيثة والمراجعة الدورية في التعامل مع الذمة وأخذ موضوع الوقت على اقصى درجات الاهمية، حيث ان اطالة عمر الذمة والتسويف في التعامل الحازم معها يعد نقطة مقتل في تحصيل الذمة، فكلما كانت الاجراءات سريعة وحازمة وتراعي مقتضيات الحاجة فان الذمة فرصة تحصيل الذمة ستكون أكبر. كما ان اصدار تقارير دورية بخصوص تعمير الذمم يعد من الادوات المناسبة للمراجعة الدورية لألية التعامل مع الذمم. 

استخدام سقوف الائتمان

  وهنا سيتم التطرق الى اسلوب محدد في الية التعامل مع منح الائتمان للزبائن سواء القدامى او الجدد قائم على منح سقف محدد للائتمان لكل زبون (Credit Limit)، وهو ان يتم منح الزبون سقف لحجم الائتمان الممنوح له مبني على محددات وعوامل مختلفة اهمها حجم المبيعات الخاصة بالزبون ونمو تلك المبيعات وتقييم العلاقة بين الزبون والشركة ووضع الزبون وغيرها من عوامل. يشابه اسلوب استخدام السقوف الائتمانية هذا الاسلوب التي تضعها المؤسسات المصرفية في تعاملها من الزبائن في التسهيلات، حيث ان تلك المؤسسات في العادة ما تمنح المقترض سقف محدد من الائتمان لا يمكن ان يتجاوزه وفق الظروف المحددة والمتفق عليها، وفي العادة يحدد سقف الائتمان هنا من قدرة المقترض على الايفاء بتسديد قرضه من مصادره الخاصة وخصوصا الايرادات من عملياته التشغيلية، وهنا يجب ان يقاس قدرة المقترض الفعلية على السداد وبحجم يستطيع تقديره والايفاء به. إلا ان هنالك فرقان أساسيان بين اسلوب الائتمان لدى المؤسسات المصرفية والشركات التجارية، أولهما هو انه في العادة لا يكون لدى الشركات التجارية ضمانات كافية مقابل الائتمان الممنوح للزبائن بعكس المصارف وبالتالي من الواجب على الشركات التجارية بذل الجهد الكامل للتعرف على الزبائن التي تمنح الائتمان لعدم وجود تلك الضمانات. والثاني أن الشركات التجارية تتفوق على المصارف في غاية الائتمان حيث ان الشركات التجارية تقوم في العادة بمنح الائتمان لغايات تجارية أو اقتصادية محددة ومعروفة (ويجب على الشركة الالتزام بالمنح على هذا الاساس)، اما المصارف فان معظم الائتمان يذهب الى غايات مختلفة تماما عن الغايات التي منح من اجلها وبالتالي يصعب التحقق من القيمة المضافة التي نتجت عن الائتمان الذي منح.

image55

كيفية تحديد سقف الائتمان

  كما تحدثنا سابقا أن هنالك قواعد اساسية للتعامل مع سقف الائتمان قائم على معرفة الزبون واحتياجاته والقدرات المالية والتسويقية له، وباعتقادنا ان الشركة إذا تبنت سقف الائتمان كأساس للتعامل التجاري فهي بحاجة الى تطوير فكرها في الموضوع بحيث تتدرج الفكرة من بسيطة الى معقدة وهكذا.     

  ففي بداية وضع السقف يجب ان يراعي عاملين أساسين اولهما حجم التعامل السنوي مع الزبون وعدد مرات الطلب واعادة الطلب وثانيهما هو نسب النمو المتوقعة لحصة السوق للزبون او السلعة/ الخدمة او المنطقة، اما في حال عدم وجود بيانات تاريخية للتعامل السنوي فلا ننصح بتقدير حجم للتعامل السنوي وانما يتم وضع سقف محدد مبني على حجم الزبون، وهذا السقف يكون اقل ما يمكن لوجود مخاطر في منح سقف كبير لزبون ليس لدى الشركة المعرفة الكافية فيه. 

  هل المقصود ان سقف الائتمان الممنوح للزبون هو حجم التعامل السنوي مضافاً له النمو المتوقع أو المطلوب؟ 

 استخدام المعادلة السابقة اغفلت وبشكل كبير الدورة الائتمانية ونظام التحصيل في الشركة، وبالتالي إذا تم احتساب السقف على اساس سنوي تكون قد عملت اختلال في نظام التحصيل، فاذا كانت الدورة الائتمانية 3 أشهر اصبحت سنة وبالتالي ارهقت الشركة بدورة ائتمانية وتحصيلية طويلة، وبالتالي يجب التعرف على مدة الدورة الائتمانية والتحصيلية المحددة في الشركة بحيث يتم قسمة مجموع التعامل السنوي على عدد أشهر الدورة الائتمانية في الشركة. 

الانظمة الالية والتعامل مع سقف الائتمان

  من المهم عند اختيار الانظمة الالية الرئيسية وERP في الشركات التجارية وجود خصائص متعلقة بتحديد سقف الائتمان لكل زبون، بحيث يكون سقف الائتمان ضابط داخلي (Internal Control) لآلية التعامل مع الزبون واصدار الطلبيات او الخدمة، بحيث لا يمكن لأي كان ادخال اية طلبية او عمل مبيعات بما يفوق حجم السقف الممنوح، وفي حال وجود موافقة على تجاوز السقف فيتم منح الصلاحيات الادارية اللازمة في الشركة للتجاوز على ان لا تمنح البيعات او التسويق صلاحيات تجاوز تلك السقوف.

المراجعة الدورية لسقوف الائتمان

  وعلى الرغم من اهمية الالتزام بالسقوف الموضوعة الا انه المراجعة الدورية لتلك السقوف والوقوف على ان تغيرات قد تطرأ على السقف الممنوح هي من العوامل المساعدة على نجاح النظام والاسلوب في الشركة، بحيث يتم عمل مراجعة دورية للسقوف بناء على عوامل مختلفة منها العلاقة مع الزبون وحجم التعامل، الوضع الاقتصادي العام للشركة وللبلد، الخطط السوقية والبيعية للمنشاة (العروض)، ادارة السيولة النقدية في الشركة وارتباطها بنظام التحصيل.

على ان تكون عملية الرفع او التخفيض للسقف الائتماني بناء على معيار واضحة، اما بخصوص الزبائن الذين ترتب على التعامل معه مشاكل مالية فانه يتم تغيير السقف الائتماني بحيث يوقف اي نوع من انواع الائتمان.

التامين على سقوف الائتمان

  بما ان الشركة قد قامت بتحديد حجم المخاطر الائتمانية المقبولة لها وهي مجموع السقوف الائتمانية لكافة الزبائن، هل يمكن للشركة نقل هذه المخاطر التي تتحملها الى شركات اخرى مثل التامين على تلك السقوف؟ 

  من خلال التواصل مع كثير من شركات التامين العاملة في المنطقة العربية تبين ان تلك لشركات لا تقبل التامين على الذمم التجارية ولا يوجد اي شكل تأميني يغطي هذا النوع من المخاطر، وبالتالي فان الشركة يجب ان تتحمل المخاطر المرافقة لتلك السقوف ويجب على الشركات ان تأخذ تلك المخاطر بعين الاعتبار في اعمالها.